القرطبي
179
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عينان مثل الدنيا أضعافا مضاعفة ، حصباؤهما الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ، وترابهما الكافور ، وحمأتهما المسك الأذفر ، وحافتاهما الزعفران . وقال عطية : إحداهما من ماء غير آسن ، والأخرى من خمر لذة للشاربين . وقيل : تجريان من جبل من مسك . وقال أبو بكر الوراق : فيهما عنيان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عز وجل . قوله تعالى : فيهما من كل فاكهة زوجان ( 52 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 53 ) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان ( 54 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 55 ) قوله تعالى : ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) أي صنفان وكلاهما حلو يستلذ به . قال ابن عباس : ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو . وقيل : ضربان رطب ويابس لا يقصر هذا عن ذلك في الفضل والطيب . وقيل : أراد تفضيل هاتين الجنتين على الجنتين اللتين دونهما ، فإنه ذكر هاهنا عينين جاريتين ، وذكر ثم عينين تنضخان بالماء والنضخ دون الجري ، فكأنه قال : في تينك الجنتين من كل فاكهة نوع ، وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان . قوله تعالى : ( متكئين على فرش ) هو نصب على الحال . والفرش جمع فراش . وقرأ أبو حياة ( فرش ) بإسكان الراء . ( بطائنها ) جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة . والإستبرق ما غلظ من الديباج وخشن ، أي إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا فما ظنك بالظهارة ، قاله ابن مسعود وأبو هريرة . وقيل لسعيد بن جبير : البطائن من إستبرق فما الظواهر ؟ قال : هذا مما قال الله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ( 1 ) أعين ) . وقال ابن عباس : إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم ، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله . وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ظواهرها نور يتلألأ ) . وعن الحسن : بطائنها من إستبرق ، وظواهرها من نور جامد . وعن الحسن أيضا : البطائن هي الظواهر ،
--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 103